الطاقة المتجددة في السعودية تدخل مرحلة التوسع وتعيد تشكيل التنافسية الصناعية وأداء اللوجستيات ونتائج الاستدامة في القطاعات الاستهلاكية
دخلت الطاقة المتجددة في المملكة العربية السعودية مرحلة توسعية كبيرة تعيد تشكيل التنافسية الصناعية، وكفاءة أداء سلاسل الإمداد، ونتائج الاستدامة في القطاعات التي تواجه المستهلك مباشرة. لم يعد نمو قدرات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مقتصرًا على قطاع توليد الكهرباء فقط، بل أصبح يؤثر في مواقع بناء المصانع، وتصميم البنية التحتية كثيفة الاستهلاك للطاقة في شبكات التوزيع، وكيفية تخطيط مشغلي التجزئة لترقيات الكفاءة عبر شبكات المتاجر الواسعة.
ويأتي هذا التحول بالتزامن مع تحديث الشبكة الكهربائية الوطنية، وتطوير أطر تنظيمية جديدة تدعم نماذج شراء الطاقة المتجددة بما يتجاوز التوريد عبر شركات المرافق التقليدية. وبالنسبة لعمليات تصنيع الأغذية، والأعمال الزراعية، والتوزيع، والتجزئة، أصبحت الطاقة المتجددة وجهوزية الشبكة عوامل استراتيجية تؤثر في مرونة التشغيل، وتنبؤ التكاليف، وأداء الانبعاثات.
تتضح رؤية السعودية الوطنية للطاقة المتجددة من خلال أهدافها، التي تشمل:
-
مساهمة مصادر الطاقة المتجددة بنسبة 50% من توليد الكهرباء بحلول عام 2030
-
وصول القدرة الإنتاجية إلى نحو 58.7 غيغاواط بحلول 2030
توسع الطاقة المتجددة يتحول إلى أداة للتنافسية الصناعية
بحلول نهاية عام 2024، بلغت القدرة المركبة لمشاريع الطاقة المتجددة في السعودية 6,551 ميغاواط، مما يعكس توسعًا ملحوظًا في مشاريع الطاقة الشمسية على مستوى المرافق، واستمرار التقدم في نشر طاقة الرياح.
وفي الوقت ذاته، تُظهر الترسيات والاتفاقيات الجديدة زخمًا متواصلًا في المشاريع حتى عام 2025 وما بعده. ففي أكتوبر 2025، تم ترسية خمسة مشاريع متجددة بطاقة إجمالية 4.5 غيغاواط باستثمارات تتجاوز 9 مليارات ريال سعودي.
كما تشير تقارير استثمارية أخرى في عام 2025 إلى مشاريع مستقبلية بإجمالي قدرات 15 غيغاواط من الطاقة الشمسية والرياح ضمن سبعة مشاريع يُخطط لتشغيلها بحلول 2028، ما يدعم نموًا تدريجيًا في العرض المتجدد خلال السنوات المقبلة.
وتكمن أهمية هذه المشاريع بالنسبة للقطاعات الاستهلاكية في أن هذا الحجم من التوسعات يؤثر في هياكل التكاليف الصناعية، وتخطيط البنية التحتية، والتنافسية عبر سلاسل قيمة الأغذية والمنتجات الاستهلاكية.
تحديث الشبكة الكهربائية عامل أساسي لدمج الطاقة المتجددة
يتطلب إدماج الطاقة المتجددة على نطاق واسع تحديثًا للشبكة لتتمكن من التعامل مع التقلب في الإنتاج، وتحقيق التوازن، والرؤية التشغيلية اللحظية.
تشهد السعودية تقدمًا في هذا المجال من خلال استثمارات في:
-
الأتمتة
-
أدوات القياس المتقدمة
-
حلول الاستقرار الكهربائي
وقد منحت "الشبكة الوطنية السعودية" مؤخرًا عقودًا لخدمات قياس استقرار الشبكة لدعم الرؤية اللحظية وإدارة الاستقرار، مما يعكس خطوات عملية لتعزيز تكامل الطاقة المتجددة.
كما يرتبط تحديث الشبكة ارتباطًا وثيقًا بمبادرات الشبكة الذكية والأتمتة، ضمن أولويات التحول الرقمي ودمج الطاقة المتجددة.
وبالنسبة للمشغلين الصناعيين وشبكات التجزئة، تؤثر جاهزية الشبكة على:
-
موثوقية الإمداد
-
جودة الطاقة
-
قابلية التوسع في منشآت كثيفة الاستهلاك مثل مراكز التبريد ومراكز التوزيع المؤتمتة والمتاجر الكبيرة
تسارع التوطين الصناعي من خلال منظومات التصنيع والإمداد بالطاقة المتجددة
لا تمثل الطاقة المتجددة في السعودية قصة توليد كهرباء فحسب، بل هي أيضًا قصة توطين صناعي.
تشمل أجندة التوطين السعودية:
-
تصنيع وتجميع مكونات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح محليًا
-
ففي يوليو 2024، تم الإعلان عن ثلاث مشاريع مشتركة لتوطين تصنيع:
-
توربينات الرياح
-
الخلايا والوحدات الكهروضوئية
-
السبائك والرقائق الشمسية
-
ويتماشى هذا التوجه الصناعي مع الطموحات الوطنية الأكبر التي تهدف إلى أن تسهم الطاقة المتجددة بنحو 2.5 مليار ريال سعودي سنويًا في الناتج المحلي، وتوفير أكثر من 29,000 وظيفة مباشرة بحلول عام 2030.
وبالنسبة لقطاعات السلع الاستهلاكية وFMCG، فإن توطين المكونات المتجددة يعزز التنافسية الصناعية من خلال:
-
تقوية منظومات التوريد
-
تقليل الاعتماد على المعدات المستوردة
-
دعم تطوير عناقيد صناعية تخدم التعبئة، وتصنيع الأغذية، وإنتاج المنتجات الاستهلاكية
تطور نماذج شراء الطاقة المتجددة خارج نطاق المرافق
مع نضج منظومة الطاقة المتجددة، أصبحت نماذج الشراء أكثر تنوعًا. فقد وضعت السعودية إطارًا تنظيميًا لأنظمة توليد الطاقة المتجددة للاستهلاك الذاتي، سواء بتقنيات تخزين أو بدونها، يشمل:
-
تعريف الأنظمة المؤهلة
-
متطلبات الأهلية
-
أحكام الربط الشبكي
ويدعم هذا الإطار مجموعة من النماذج المهمة للشركات الاستهلاكية، لا سيما تلك ذات الاستهلاك العالي للطاقة:
النموذج 1: أنظمة متجددة في الموقع للاستهلاك الذاتي
تدرس المنشآت الكبرى ومراكز التوزيع والمتاجر الكبرى تركيب أنظمة متجددة داخل الموقع لاستخدام مباشر ومستدام وتخطيط تكاليف طويل الأجل.
النموذج 2: تطوير الطرف الثالث للمواقع التجارية
تقوم جهات متخصصة بإنشاء وصيانة أصول الطاقة المتجددة، وتستفيد المواقع التجارية من ضمانات الأداء والتوريد المنظم.
النموذج 3: الشراء على مستوى المرافق عبر عقود طويلة الأجل
تشارك الشركات الكبرى في اتفاقيات توريد كهرباء مدعومة بالطاقة المتجددة عبر عقود طويلة الأجل مرتبطة ببرامج الطاقة الوطنية وآليات الشراء.
تشير تقارير عامة إلى تزايد تبني الشركات للطاقة الشمسية، بدعم من تسعير الكهرباء المحسن والجدوى الاقتصادية المتزايدة.
تحقيق مكاسب كفاءة التشغيل عبر سلاسل قيمة الأغذية والتجزئة
يصبح أثر الطاقة المتجددة مضاعفًا عند دمجها مع برامج تحسين الكفاءة التشغيلية في الإنتاج والتوزيع، حيث يتمركز الطلب الكهربائي في ثلاث مجالات:
1. الإنتاج والتغليف كثيف الاستهلاك
تعتمد مصانع الأغذية والتحويلات التغليفية على الطاقة في التدفئة، والتبريد، والتعقيم، والتشغيل. ويقلل استخدام الكهرباء النظيفة من كثافة الانبعاثات ويحسن الأداء الاستدامي.
2. بنية سلسلة التبريد
تشكل التبريد في التخزين، والنقل، والمتاجر أحمالًا كهربائية عالية. وتتيح الكهرباء المتجددة تحسين الأداء البيئي، وتدعم ترقيات كفاءة ذات أثر أكبر.
3. مراكز التوزيع المؤتمتة
تعتمد على الأنظمة الذكية والأتمتة مما يزيد استهلاك الكهرباء، وتدعم الطاقة المتجددة النمو التشغيلي وتحقيق أهداف الاستدامة.
التقاطع بين كفاءة اللوجستيات وجهوزية الطاقة المتجددة
يتطلب التحول الصناعي توفر مجمعات صناعية ومناطق اقتصادية خاصة وممرات لوجستية ببنية تحتية تنافسية. وتلعب الطاقة المتجددة وتحديث الشبكة دورًا متزايدًا في جاذبية هذه التجمعات.
الفوائد الاستراتيجية تشمل:
-
قدرة أفضل على التنبؤ بتكاليف الطاقة على المدى الطويل
-
أداء استدامي أقوى لسلاسل الإمداد الموجهة للتصدير
-
جاذبية أكبر للشراكات الدولية والمشتريات المؤسسية
-
إمكانيات دمج أعلى في الأتمتة والتبريد واللوجستيات المعتمدة على البيانات
وتؤثر هذه العوامل في قرارات استراتيجية في قطاعات الأغذية والاستهلاك مثل:
-
توزيع مواقع التصنيع وتوطينها
-
اختيار مواقع وحجم مراكز التوزيع
-
توسيع سلسلة التبريد
-
تحسين لوجستيات المتاجر وخدمات التوصيل
الجاهزية لتقارير الانبعاثات تتحول إلى متطلب تشغيلي
تُقاس الاستدامة في السعودية بشكل متزايد عبر الأداء، والشفافية، والحوكمة. وتتحول تقارير الانبعاثات من أولوية اتصال إلى ضرورة تشغيلية.
ويسهم دمج الطاقة المتجددة في تحسين الأداء البيئي، لا سيما في خفض الانبعاثات من النطاق الثاني (Scope 2)، وتحسين الأداء في بطاقات التقييم الخاصة بسلاسل الإمداد.
مكونات جاهزية التقارير:
-
القياس الأساسي: توحيد بيانات الطاقة عبر المواقع والمنشآت والمراكز اللوجستية
-
التتبع والاستعداد للمراجعة: الحوكمة والتوثيق لدعم الاتساق والامتثال
-
الدمج في اتخاذ القرار: استخدام البيانات في التخطيط الاستثماري، واختيار الموردين، والاستراتيجية التشغيلية
وتعزز توسعة الطاقة المتجددة هذه القدرات عبر توفير كهرباء نظيفة على نطاق واسع ونماذج شراء قابلة للقياس.
الآثار القطاعية على تصنيع الأغذية، والأعمال الزراعية، والتوزيع، والتجزئة
تصنيع الأغذية:
تدعم الطاقة المتجددة تقليل الانبعاثات، واستقرار التكاليف، وتحسين القدرة التنافسية في الأسواق المحلية والإقليمية.
الأعمال الزراعية:
تدعم موثوقية الطاقة والأداء الاستدامي الزراعة البيئية المُتحكم بها، والتخزين المبرد، ومعالجة ما بعد الحصاد، وتعزز الأمن الغذائي.
التوزيع واللوجستيات:
تُسهم في إزالة الكربون من تشغيل المستودعات، ومراكز التوزيع المؤتمتة، وسلاسل التبريد، ما يحسن جودة الخدمة ويقلل الفاقد.
عمليات التجزئة:
تستفيد المتاجر من تحسين الشبكة المدعومة بالطاقة المتجددة عبر أداء استدامي أفضل، وتوافق أقوى مع توقعات المستهلكين، وأثر أكبر لبرامج الكفاءة.
ما يجب مراقبته حتى عام 2030
ستستمر الطاقة المتجددة وتحديث الشبكة في تشكيل التحول الصناعي السعودي، ومن أبرز المؤشرات:
-
وتيرة ترسية المشاريع المتجددة وتكاملها مع الشبكة
-
توسع الشراء في القطاع الخاص ونماذج الاستهلاك الذاتي
-
تقدم التوطين في تصنيع مكونات الطاقة الشمسية والرياح
-
تحسينات قابلة للقياس في أتمتة الشبكة واستقرارها
-
زيادة توفر الطاقة المتجددة في المجمعات الصناعية والممرات اللوجستية
تشير خطط المشاريع الحالية إلى استمرار الزخم عبر ترسيات ضخمة وبرامج تطوير طويلة الأجل.
الخلاصة
تعيد الطاقة المتجددة وتحديث الشبكة تشكيل الاقتصاد الصناعي والاستهلاكي في السعودية. ومع استهداف 50% من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، وقدرة متوقعة تبلغ 58.7 غيغاواط، أصبح التحول الطاقي قاعدة هيكلية طويلة الأجل للتنافسية والاستدامة.
وقد وصلت القدرة المتجددة إلى 6,551 ميغاواط بنهاية 2024، بينما يستمر توسع المشاريع عبر ترسيات كبرى وتطويرات متعددة السنوات.
وبالنسبة لقطاعات تصنيع الأغذية، والأعمال الزراعية، والتوزيع، والتجزئة، تدعم الطاقة المتجددة التوطين الصناعي، والكفاءة التشغيلية، وجاهزية تقارير الانبعاثات. والنتيجة: نموذج تشغيل أكثر استدامة يتماشى مع مسار التحول الوطني في المملكة.
