فيما يلي ترجمة عربية دقيقة ومهنية للمقال، بصياغة مناسبة للاستخدام الاستشاري والتحليلي:
المسار الحضري للوصول إلى السوق: لماذا أصبحت سلاسل التبريد في الميل الأخير محورًا أساسيًا للأمن الغذائي في المملكة العربية السعودية
أحرزت المملكة العربية السعودية تقدمًا ملموسًا في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد الغذائي لديها. فقد أسهمت الاستثمارات القياسية في الموانئ، والمناطق اللوجستية، ومرافق التخزين المبرد الداخلية، وممرات النقل متعددة الوسائط في تحسين الكفاءة في المراحل العليا من السلسلة وتعزيز أمن الواردات. إلا أنه، وعلى الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال هناك ثغرة حرجة لم تُعالج بالشكل الكافي: الميل الأخير داخل المدن.
في مناخ تتجاوز فيه درجات الحرارة الصيفية بانتظام 45 درجة مئوية، أصبحت المرحلة النهائية من التوصيل إلى السوق الحلقة الأضعف في منظومة الغذاء بالمملكة. إذ يحدث أكثر من ثلث الفاقد الغذائي الوطني بعد دخول المنتجات إلى دوائر التوزيع الحضرية. ويطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا لا يمكن تجاهله:
هل يمكن للمملكة تحقيق طموحاتها في الأمن الغذائي والتغذية دون إجراء تحديث جذري للبنية التحتية لسلاسل التبريد في الميل الأخير داخل المدن؟
تجادل هذه المقالة بأن أداء سلاسل التبريد الحضرية أصبح اليوم القيد الأكثر تأثيرًا على كفاءة الوصول إلى السوق في السعودية. ومن دون تدخلات موجهة على مستوى المدن، قد لا تحقق الاستثمارات الاستراتيجية في المراحل العليا العوائد المرجوة ضمن مستهدفات رؤية 2030.
بنية تحتية عالمية المستوى في المراحل العليا… وتنفيذ حضري مقيد
يُعد التحول اللوجستي في المملكة العربية السعودية كبيرًا وفق أي معيار عالمي. ففي إطار الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، تعمل المملكة على تطوير أكثر من 60 مركزًا لوجستيًا متكاملًا بحلول عام 2030. كما تسارعت وتيرة تحديث الموانئ لزيادة طاقة مناولة الحاويات المبردة، في حين يواصل رأس المال الخاص التوسع في قدرات التخزين المبرد الداخلي بوتيرة متسارعة.
غير أن هذا الزخم لم ينعكس بنفس المستوى على بنية التوزيع الحضري. إذ لا تشغّل مدن الرياض وجدة والدمام مجتمعة سوى أقل من 24 مركز توزيع مصغرًا متحكمًا بدرجة الحرارة، وقادرًا على خدمة الطلب على البقالة وخدمات الأغذية على نطاق واسع. ولا يزال العديد من هذه المرافق في مرحلة تجريبية، بدلًا من كونها أصولًا متكاملة عالية السعة.
وتبرز المقارنة مع أسواق التجارة الغذائية الإلكترونية المتقدمة. فعلى سبيل المثال، تمتلك لندن، التي تخدم عددًا سكانيًا حضريًا مقاربًا ولكن في مناخ أكثر اعتدالًا، أكثر من 50 مركز توزيع مصغرًا مخصصًا، تدعم شبكات توصيل كثيفة ومتحكمًا بدرجة حرارتها.
يتجلى هذا الخلل التشغيلي بشكل أوضح خلال فترات الذروة مثل شهر رمضان. إذ تتدفق الكميات بكفاءة عبر الموانئ والمراكز الداخلية، لكنها تتعطل عند مداخل المدن. وتؤدي ازدحامات الطرق، وضيق نوافذ التسليم، ونقص مرافق التحميل، وضغط سعات التخزين المبرد إلى تعريض المنتجات لتقلبات حرارية في أكثر المراحل حساسية.
وفي ظل الحرارة الشديدة، فإن أي انحراف بسيط عن درجات التخزين الموصى بها يسرّع نمو البكتيريا والتدهور الإنزيمي، ما يؤدي إلى تآكل سريع في العمر التخزيني، وانخفاض الهوامش، وزيادة الفاقد القابل للتجنب.
حجم فجوة الفاقد الحضري
رغم محدودية البيانات الوطنية الشاملة حول التلف المرتبط بالحرارة داخل المدن، إلا أن مؤشرات مستقلة متعددة تتقاطع عند نسبة فاقد مستمرة تتراوح بين 30% و40% للمواد الغذائية القابلة للتلف.
وتشير تقييمات متوافقة مع منهجيات منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن إجمالي الفاقد والهدر الغذائي في المملكة يقارب ثلث الاستهلاك الوطني، مع كون مرحلتي التوزيع والتجزئة المساهم الأكبر. كما تُظهر دراسات ميدانية عبر قطاعات الدواجن، والألبان، والفواكه، والخضروات أن نحو 35% من الفاقد يحدث بعد دخول المنتجات إلى دورات التوزيع الحضرية.
وتُعد التداعيات المالية كبيرة. إذ يُقدّر الهدر الغذائي السنوي في المملكة بنحو 50 مليار ريال سعودي، ويُعزى حوالي 15 مليار ريال منها سنويًا إلى إخفاقات سلاسل التبريد في الميل الأخير وحدها. وتتوزع آثار هذه الخسائر عبر المنظومة بأكملها:
-
يدفع المستهلكون أسعارًا أعلى مقابل منتجات أقل طزاجة
-
يتحمل المنتجون خصومات ورفضًا للكميات
-
تواجه شركات التوزيع تكاليف تأمين وامتثال أعلى
-
تتحمل الدولة أعباء مالية إضافية عبر دعم الواردات
أما الكلفة الغذائية فهي لا تقل خطورة. إذ يؤثر التلف الحراري بشكل غير متناسب على البروتينات عالية القيمة والأغذية الغنية بالمغذيات الدقيقة، وهي فئات محورية في مستهدفات رؤية 2030 المتعلقة بالصحة العامة وخفض السمنة وجودة الأنظمة الغذائية. وبالتالي، فإن ضعف سلاسل التبريد الحضرية يقوض ليس فقط الأمن الغذائي، بل الأمن التغذوي أيضًا.
لماذا لا تستطيع المراكز اللوجستية الكبرى حل مشكلة الميل الأخير وحدها؟
تفترض العديد من خطط اللوجستيات أن التوسع في البنية التحتية العليا سيعالج تلقائيًا اختناقات المراحل النهائية عبر وفورات الحجم. إلا أن هذا الافتراض لا ينطبق على سلاسل التبريد الحضرية.
أولًا، يؤدي الازدحام المروري في مدن مثل الرياض إلى تمديد أزمنة التسليم إلى ما بعد النوافذ الحرارية المخطط لها، ما يضاعف مخاطر التلف، خصوصًا في مسارات التوصيل متعددة النقاط.
ثانيًا، تقلل درجات الحرارة المحيطة المرتفعة بشكل حاد من قدرة المنتجات على تحمل أي تعرض قصير أثناء التفريغ. فبالنسبة للمنتجات الحساسة مثل الخضروات الورقية، قد يؤدي تعرض لمدة ثلاث دقائق فوق 45 درجة مئوية إلى تجاوز درجات الحرارة الداخلية الحدود الحرجة، مسببًا فقدانًا غير قابل للاسترجاع في الجودة قبل وصول المنتج إلى الرف.
تتفوق المراكز الكبرى في المناولة والتجميع، لكنها غير قادرة على معالجة القيود الحضرية مثل محدودية الوصول للأرصفة، ونقص مرافق التحميل، وتشتت كثافة الطلب، وحظر أوقات التسليم. وتتطلب هذه التحديات حلولًا مصممة حسب الموقع، وبيانات تشغيلية دقيقة، ونماذج توصيل مخصصة، وليس مجرد توسع إضافي في المراحل العليا.
بناء سلسلة تبريد حضرية ملائمة للغرض
تشير الأدلة الدولية والإقليمية إلى ثلاثة محركات مترابطة قادرة على إحداث تحول جوهري في أداء سلاسل التبريد في الميل الأخير:
-
مراكز التوزيع المصغرة والعقد الحضرية المبردة
تقلل مراكز التوزيع المصغرة المتحكم بدرجة حرارتها داخل الأحياء الحضرية زمن التوصيل بنسبة تصل إلى 45%. وغالبًا ما تخدم نطاقًا يبلغ 3 كيلومترات أو 15 دقيقة، مع فصل صارم بين المنتجات العادية والمبردة والمجمدة. -
أساطيل التبريد الكهربائية
توفر المركبات الكهربائية المبردة ميزة هيكلية في البيئات شديدة الحرارة، إذ تحافظ على استقرار درجات الحرارة حتى أثناء التوقف، بعكس الأنظمة التي تعمل بالديزل، مما يقلل الضغط على الضواغط والانحرافات الحرارية أثناء التحميل والتفريغ. -
تنسيق سلاسل التبريد المعتمد على البيانات
يتيح دمج أجهزة إنترنت الأشياء مع تخطيط المسارات المدعوم بالذكاء الاصطناعي رؤية فورية لدرجات الحرارة والرطوبة وفتح الأبواب ومخاطر الازدحام. وتسمح مراكز التحكم بالتدخل الديناميكي للحفاظ على سلامة السلسلة، مع تسجيل خفض يصل إلى 30% في حوادث الخلل الحراري لدى الجهات المبكرة التبني.
وبينما يحقق كل عنصر مكاسب تدريجية منفردة، فإن تكاملها معًا يُنشئ نموذجًا حضريًا جديدًا للوصول إلى السوق، مصممًا خصيصًا للمناخات الجافة والكثافة السكانية العالية والرقابة التنظيمية الصارمة.
الدلالات الاستراتيجية للقيادات وصناع السياسات
أصبحت قدرات سلاسل التبريد الحضرية عامل تميّز استراتيجي متسارع. إذ تتشدد الرقابة التنظيمية، مع قيام الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية بفرض متطلبات أكثر صرامة على مواصفات المركبات، ومراقبة درجات الحرارة، ووضع الملصقات، وتدريب السائقين. ومن المتوقع أن تزداد حدة التطبيق اعتبارًا من عام 2026.
بالنسبة للمنتجين والمستوردين، يغير ذلك معادلة قرارات “التنفيذ الذاتي أو التعهيد”. فإما الاستثمار المباشر في بنية التبريد للميل الأخير، أو التفاوض على اتفاقيات مستوى خدمة أكثر صرامة مع شركاء الخدمات اللوجستية. ويتمتع المبادرون الأوائل بأفضلية في تأمين شروط طويلة الأجل واتفاقيات توزيع حصرية.
في المقابل، يحمل التأخير مخاطر متزايدة تشمل الغرامات التنظيمية، وإتلاف المنتجات، وارتفاع التعرض التأميني، وتآكل الحصة السوقية مع توجه التجار والمستهلكين نحو موردين أكثر موثوقية.
وعلى المستوى الكلي، يهدد استمرار ضعف الميل الأخير بتحجيم أهداف المملكة الأوسع في الأمن الغذائي من حيث توافر الغذاء، وقدرته على التحمل السعري، وجودته الغذائية.
تعزيز الحلقة الأخيرة في منظومة الغذاء
إن التقدم الذي أحرزته المملكة في البنية التحتية اللوجستية العليا للغذاء مثير للإعجاب وضروري. إلا أن الأمن الغذائي يُكسب أو يُفقد في المدن في نهاية المطاف. ومن دون استثمار موجه في سلاسل التبريد الحضرية، ستستمر الكيلومترات الأخيرة من التوصيل في استنزاف القيمة والتغذية والمرونة الاستراتيجية.
تعمل Ollen Group مع شركات الأعمال الزراعية، ومشغلي الخدمات اللوجستية، والمستثمرين، والجهات الحكومية في مختلف أنحاء الخليج لتصميم استراتيجيات وصول إلى السوق قادرة على الأداء في الظروف المناخية القاسية. وتشمل خدماتنا الاستشارية تحسين سلاسل الإمداد، واستراتيجيات المبيعات والتوزيع، ودراسات الجدوى، والنمذجة المالية، والتخطيط التنفيذي، لمساعدة المؤسسات على تحويل الاستثمارات في البنية التحتية إلى نتائج ملموسة في الأمن الغذائي.
ومع تقدم المملكة نحو تحقيق رؤية 2030، لم يعد تعزيز الميل الأخير الحضري خيارًا. بل أصبح التحدي والفرصة الحاسمة في المرحلة المقبلة من تطوير منظومة الغذاء في السعودية.
